06‏/12‏/2018

المهدي بن بركة رحل الشخص و بقي الرمز مقال بقلم هشام بودراhibo


ولد المهدي بنبركة في العاصمة المغربية الرباط سنة 1920لأسرة فقيرة حيث كان أبوه يملك محل بقالة بسيط .. و تدرج في مراحله التعليمية بشكل سلس و  بتفوق ملحوظ بينه و  أقرانه .. و بدأ بنبركة نشاطه السياسي في سن الخامس عشرة في إطار كتلة العمل الوطني  .. و في سنة 1939حصل بنبركة على القسم الثاني من الباكلوريا في الرياضيات .. و كان من المفروض أن يلتحق بجامعة باريس لكن قيام الحرب العالمية الثانية دفعته للتوجه للجزائر حيث حصل هناك سنة 1942على الليسانس في الرياضيات و إبتداءا من السنة الدراسية 1942-1943بدأ حياته المهنية بالمدرسة المولوية (مدرسة خاصة بالعائلة الملكية و الأثرياء و هنا قام بنبركة بتدريس ولي العهد أنذاك الحسن الثاني الرياضيات )وثانوية كورو بالرباط .. سنة 1943 إنضم إلى العمال الوطنيين .. و ساهم في تأسيس جمعية الرباط الوطنية الثقافية في نفس السنة .. و في سنة 1944ظهرت بوادر المعارضة في مسيرة المهدي للإستعمار الفرنسي حيث شارك في تحرير وثيقة الإستقلال مع مجموعة من المثقفين المغاربة و كانت الوثيقة تنشد الإستقلال عن فرنسا .. و شارك بعدها في عدة مظاهرات للمطالبة بالإستقلال .. فتم إعتقاله و زج به في السجن لمدة سنة كاملة .. و بعد خروجه عين عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب الإستقلال .. ثم رئيسا له .. كما أشرف على إصدار جريدة العلم و تحديد خطها السياسي ..
و في سنة 1948توجه المهدي لفرنسا لتقديم تقرير عن أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس .. و في سنة 1951إعتقل ابن بركة للمرة الثاني بسبب الخطر الذي كان يمثله على فرنسا بالمغرب و بقي تحت الإقامة الجبرية حتى سنة 1954و بعد خروجه أعاد تنظيم حزب الإستقلال .. و ربط علاقات سرية مع المقاومة المسلحة..و في  سنة 1955ساهم في تأسيس المنظمة العمالية المغربية .. و شارك بعدها في المفاوضات التي أجرها حزب الإستقلال مع فرنسا و التي أسفرت فيما بعد عن إستقلال المغرب .. و في العام التالي أنتخب رئيسا للمجلس الوطني الإستشاري ..
لم تستمر مسيرة بنبركة طويلا في عالم السياسة .. لتظهر في الأفق عداءات لبنبركة بسبب مواقفه المؤيدة للطبقات الكادحة .. كما رأى فيه الحسن الثاني الخصم اللذوذ بعد أن كان له أستاذا و صديقا .. و بعد الإستقلال المشوه الذي عرفه المغرب سرعان ما برزت الخلافات داخل حزب الإستقلال بين الجناح التقليدي و الجناح الثوري بقيادة بنبركة فقد كانت قيادة الحزب تعارض مساندة حركات التحرر الثورية الآسيوية و الأفريقية على خلاف بنبركة .. كما آثارت مشاركة بنبركة في تأسيس الإتحاد الوطني للقوى الشعبية و تعيينه أمينا عاما لهذا الاتحاد إستياء قيادة حزب الاستقلال و حنق الحسن الثاني عليه ..
و بعد إنفراد الحسن الثاني بالسلطة بشكل مطلق .. و إجهاض العملية الديمقراطية بشكل تام ... ونجاة بنبركة من عملية إغتيال فاشلة سنة 1962
ساهم كل هذا في مغادرة بنبركة للمغرب ..
عمل بنبركة ضمن الحركات الثورية التي إنطلقت و تأججت في تلك الحقبة في آسيا و إفريقيا و أمريكا اللاتنية  .. و في سنة 1963إتهم بنبركة بالمؤامرة لإغتيال الحسن الثاني و حكم عليه غيابا بالإعدام ..
و في 29صباح أكتوبر من سنة 1965إقتاد شرطيان فرنسيان بنبركة إلى جهة مجهولة .. وذلك حينما كان  بنبركة يجلس في مقهاه المفضل في الحي اللاتيني في العاصمة الفرنسية .. و نفت فرنسا  فيما بعد أن تكون لها علاقة بإختطاف و إغتيال بنبركة ..
العلاقة المتوثرة بين بنبركة و الحسن الثاني
لم يكن بنبركة شخصية عادية فإنه يعد واحد من الشخصيات التي رسمت طريق العودة للملك المنفي محمد الخامس من منفاه بمدغشقر إلى المغرب..
كما تولى تدريس ولي العهد أنذاك الحسن الثاني الرياضيات .. حيث ستجمع الثنائي صداقة قصيرة ستنتهي بعدواة حتى القتل .. بتأسيس بنبركة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية هذا التنظيم السياسي الذي سيراه الحسن الثاني بمثابة حركة شبابية شعبية هدفها التخلص من الملكية و إقامة نظام شعبي إشتراكي ..
عمل الحسن الثاني كل ما بإستطاعته حينما كان وليا للعهد لمنع بنبركة من تولي أي منصب رفيع في حكومة ما بعد الإستقلال .. و بعد أن أسقط الحسن الثاني حكومة عبدالله إبراهيم و التي إعتبرها بنبركة بمثابة إنقلاب على الشرعية الوطنية .. ثم نفيه سنة 1960والتخلص منه بشكل هوليودي سنة 1965
روايات حول الإختفاء و الإغتيال:
هناك عدة فرضيات حول إغتيال بنبركة منها ما أدلى بها مغاربة و هناك من أدلى بها أجانب
- يعد الصحفي الفرنسي دانيال جيران من أشهر من تتبع ملف إغتيال بنبركة حيث إشتغل على تحقيقه لمدة عشر سنوات كاملة و انتهى بإصداره كتابا بعنوان قتلة بنبركة .. يتكون هذا المؤلف من 318صفحة به عدة تفاصيل عن حياة بنبركة و علاقته بالمغرب و مساعدة الموساد للإستخبارات المغربية في عملية الإغتيال .. كما هناك شهادات لأشخاص ربما تورطوا في عملية الإختطاف ..
- ما صرح به العميل الاستخبارتي المغربي أحمد بخاري حول قضية بنبركة: أن المخابرات المغربية خططت منذ مدة طويلة من التخلص من بنبركة لما يمثله من تهديد على الملكية و الحسن الثاني .. أن العملية نفذتها مجموعة كبيرة من الأشخاص قاموا بمراقبة بنبركة و التنصت على مكالماته منذ كان في جنيف إلى أن غادرها إلى باريس .. و حينما حانت ساعة الصفر تم الإستعانة بشرطيين فرنسيين لإصطحاب بنبركة لثقته في الشرطة الفرنسية .. ثم إقتياده إلى إحدى الفيلات في فونتناي حيث تعرض للتعذيب الوحشي على يد كل من الجينرال أوفقير وزير الداخلية المغربية حينئذ و اليد اليمنى للحسن الثاني ( سيقود أوفقير فيما بعد من تاريخ المغرب محاولة إنقلاب فاشلة على الحسن الثاني و سيتم إعدام أوفقير بدون محاكمة..) و معاون أوفقير الجينرال أحمد الدليمي و تحت تأثير التعذيب توفي بنبركة و نقلت جثته إلى الرباط حيث أذيبت في خزان مملوء بحمض الأسيد ..
- بينما صرح الحبابي أن جثة بنبركة مدفونة تحت السفارة المغربية بفرنسا .. و رأسه دفنت في المغرب .. و أن المخابرات الأمريكية متورطة في إغتيال بنبركة بسبب تنظيم مؤتمر القارات الإشتراكي المعادي للإمبرالية و الرأسمالية و المصالح الأمريكية الإمبرالية ..
- إدعى أحد أفراد المخابرات  الفرنسية السابقة يدعى فلوري أن جثة بنبركة أحرقت في منزل خارج باريس بعد قتله ..
و مازال سر إختطاف و قتل و إخفاء جثة بنبركة إلى يومنا هذا قائما .. بعد أن توفي أو قتل كل من له صلة قريبة أو بعيدة من عملية الإغتيال ..
رأي الكاتب
بعد تتبع خيوط المعلومات المتوفرة .. من المرجح أن عملية الإختطاف و الإغتيال نفذته الإستخبارات المغربية بمساعدة من الموساد الذي كان يعتبر بنبركة عدوا لدودا لها لدعمه القوي للكفاح في فلسطين .. و أن الاستخبارات الأمريكية سهلت عملية التصفية للدور الكبير لبنبركة في محاربة الإمبريالية و التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية .. كما أن فرنسا تواطئت في عملية الإغتيال لحماية مصالحها في المغرب خوفا من تولي التيار اليساري المعادي للغرب سدة الحكم في المغرب ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق