19‏/12‏/2018

فريدا كاهلو .. من المعانات يولد الإبداع مقال بقلم هشام بودراhibo

ما أجمل أن ينظر المرء إلى الجانب المشرق بين الأشياء ، و يستثمرها لتكون دافعا له و لغيره لبذل المزيد، فلابد من وجود ثقب للضوء في الأماكن المظلمة. جملة من مذكرات الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو المولودة في السادس من شهر يوليو سنة 1907في ضواحي كويوكان من أب ذات أصول ألمانية وأم ذات أصول مكسيكية و تنتمي الأسرة إلى الطبقة المتوسطة  .. شهدت طفولتها ثورة زاباتا الذي أصبح فيما بعد أيقونة في تاريخ اليسار المكسيكي .. عرف على فريدا إنتماءاتها للتوجهات اليسارية في وقت مبكر من حياتها القصيرة ..
و كان لإصابتها بشلل الأطفال في قدمها اليمنى في سن السادسة أثرا بالغا في نفسيتها طوال حياتها .. فلقد أجبرتها الإعاقة على عدم إرتداء الفساتين أسوة بقريناتها الفتيات .. وكانت ترتدي الجوارب الصوفية طوال السنة لإخفاء قدميها لكي لا تتعرض للسخرية من رفيقاتها ..
و لم تتوقف معانات فريدا في حياتها عند إصابتها بشلل الأطفال ففي سنة 1925تعرضت لحادث حافلة  كانت تقلها إلى منزلها .. ما تسبب لها في كسور في كامل جسدها و خاصة في العمود الفقري ما اضطرها إلى التمدد على السرير لمدة سنة كاملة بدون حراك .. خلالها عملت أمها على الإعتناء بها حيث جهزت سريرا متنقل لها .. كما وضعت لها مرآة ضخمة في سقف غرفتها .. و منذ تلك اللحظة كانت فريدا وجها لوجه لمدة طويلة مع وجهها .. و كان ذلك إيذانا بولادة فنانة جديدة في عالم الفن التشكيلي .. فطلبت ريشة و ألوانا و أوراقا و إنطلقت تعبر عن نفسها برسم بورتريهات لنفسها كما تحب أن تراها ..
تقول فريدا عن هذه المرحلة : لم أرسم أبدا أحلاما بل أرسم واقعي الحقيقي فقط ..
تزوجت فريدا سنة 1929من الرسام الجداري الثوري المكسيكي دييجو ريفيرا و كان يكبرها بعشرين سنة فعمره كان في حدود الثانية والأربعين .. إلا أن فريدا كانت تحبه جدا و قد علمها في بداية حياتها كيفية رسم اللوحات الفنية العظيمة ..
و رغم الحب القوي الذي جمع ريفيرا و فريدا فقد كان الزوج له مغامرات نسائية كثيرة أثرت على العلاقة الزوجية إلى أن وصلت إلى مرحلة الطلاق .. وسبب الطلاق لفريدا صدمة نفسية قوية ..
تقول فريدا في مذكراتها عن مرحلة الطلاق : تعرضت حياتي لحادثين : الأولى أدت بي إلى شلل جسدي  و الثانية (الطلاق) أدت بي إلى شلل نفسي !!
و إنعكست مرحلة الطلاق على أعمال فريدا الفنية فطليقها لم يغب فكريا عنها .. فمرة ترسم لوحة تعبر من خلالها عن حبها له و مرة عن كرهها له .. إلا أن هذه المرحلة مرت كالجمر على فريدا و في سنة 1940وتحديدا في سان فرنسيسكو عادا الطليقان ليتزوجا مرة أخرى و ليكملا ما تبقى لهم من حياة معا ..
رغم الآلام الجسدية والنفسية التي لحقت فريدا طوال حياتها القصيرة والتي تمكنت من تحويلها إلى أعمال فنية سوريالية خالدة ..
قال عنها زوجها ريفيرا: لم تضع امرأة من قبل كل هذه المشاعر في قطعة قماش .. ما تعيشه هو ما ترسمه . . و لكن ليست هناك تجربة إنسانية مهما كانت مؤلمة تستطيع أن تحوله إلى فن ..
و قال عنها أندريه بريتون : آلام جسدها.. إذا هي منبع فنها ، امرأة ممددة في السرير بجسد متعب بالصفائح و محاط بالمشدات ، ليس لديها ما تفعله سوى أن ترسم بتلك النبرة السوريالية الخاصة ...
و قال عنها بيكاسو : لا أنا و لا ريفيرا بمقدورنا تقديم بورتريه كما تفعل فريدا ..
بعد أن اشتد المرض على فريدا طلب منها طبيبها بعدم مغادرة سريرها .. إلا أنها أصرت على حضور آخر معارضها الفنية في المكسيك سنة 1953كما أصرت على حضور مظاهرة على كرسيها ذات العجلات حاملة لافتة تطالب بالسلام إعتراضا على تدخل المخابرات الأمريكية في غواتيمالا ..
و قبل وفاتها أوصت بحرق جثمانها و كتبت ؛ أتمنى أن يكون الخروج ممتعا ، و أتمنى ألا أحتاج العودة أبدا.. 
في 13يوليو من سنة 1954توفيت فريدا عن عمر يناهز السابعة والأربعين بسبب إلتهاب رئوي حاد و يقول زوجها ريفيرا عن موتها : إن اليوم الذي ماتت فيه فريدا كان أحد أكثر الأيام مأساوية في حياتي ، لقد اكتشفت أن الجزء الأفضل من حياتي كلها كان حبي لها ..
احتفظ زوجها برمادها في جرة و قد أوصى بأن يدفنا معا في بيتهما المسمى المنزل الأزرق في كويوكان بعد موته و بعد سنتان من رحيل فريدا توفي ريفيرا بمرض السرطان و دفن في مقبرة العظماء و لم تنفذ وصيته .. و تحول منزلهما فيما بعد إلى متحف فني يضم أعمال فريدا ومقتنياتها الشخصية و أصبح يؤمه ملايين الناس من جميع أصقاع المعمورة..

تركت فريدا إرثا فنيا خالدا يقدر بحوالي 200لوحة فنية  جسدت من خلالهم .. روحها وبشرتها و آلامها و حنقها و معاناتها المريرة ..و ما يلفت النظر أن فريدا إستطاعت أن تجعل من لوحاتها مرآة لما يختلجها من مشاعر و حسرة و ألم و لم تخلوا أعمالها من ذكر للتراث المكسيكي المتجسد في حضارة الأزيك و المايا و الطلاسم و الطواطم و غيرها من الرموز وقد إختلف النقاد في نظرتهم إلى أعمالها الفنية بين معجب بها و غير مرحب .. إلا أن لا أحد يستطيع  التقليل من مدى الشعبية و الحب الذي وصلته فريدا خصوصا بعد وفاتها ..
أعمال فنية جسدت قصة حياة فريدا 
- في عام 1997قامت الفنانة العراقية عشتار ياسين بتقديم مسرحية في كوبنهاجن بعنوان شجرة الأمل تناولت فيها حياة فريدا
- في 2002أنتج فيلم أمريكي عنها بعنوان فريدا.. الحياة المتنافسة بطولة الممثلة المكسيكية سلمى حايك و الممثل أنطوني موليود الفيلم مقتبس من كتاب عن سيرة الفنانة كتبه هايدن هيريرا في عام 1984م.. بعد عرض الفيلم تحول إسم الفنانة إلى إسم تتناقله وسائل الإعلام العالمية .. و تم طبع الملايين من أعمالها و صورها ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق