19‏/12‏/2018

تولستوي .. الكاتب العجوز المثير للجدل مقال بقلم هشام بودراhibo


لطالما كان مثيرا للجدل في سنوات حياته المديدة و حتى بعد موته .. إحترمه الملايين حول العالم لحكمته و عبقريته الفكرية .. ناصر الحق و لو على نفسه .. نعته البعض من المفكرين بعد الخمسين من عمره بالمهزوز عقليا و فكريا فقال عنه صديقه الأديب الكبير  تورغينييف  (يتخبط في مستنقعات غامضة).. و لم يسلم حتى يومنا هذا من ألسن النقاد الحدثيين فقال عنه سواريز (أصبح شبيها بواعظ قرية صغيرة ، يشيع السأم والملل حوله ، و يحشر أنفه بما لا يعنيه ، و يبدي رأيه بمناسبة و غير مناسبة)..
و لم يكن الناقد ستيفان زويك أقل حدة عليه فقال عنه ( إن كل ما كتبه .. عدا رواياته و قصصه الشهيرة ، و ضمنه آراءه و عقائده و نظرته إلى الحياة ، يدخل في عداد أتفه الأعمال الأدبية ، لتحيزها و تعصبها فهو يتنكر فيها لجميع القيم المعروفة )
أما الناقد الأدبي ترويا فخصه بكتاب من 800صفحة خصصها للتهكم عليه و إنتقاده و السخرية منه ..
هو الكاتب و الفيلسوف الروسي تولستوي صاحب الأفكار الغريبة و المثيرة للجدل .. من يتتبع سيرة هذا المفكر العملاق .. نجده في سنة 1856في العشرينيات من عمره يقطن في بطرسبورغ عند صديقه الأديب الكبير يورغينييف و هناك كان في تواصل مع صفوة المثقفين والمفكرين الروس و حينما مل تولستوي من أفكارهم و إملاءاتهم الفكرية وجه لهم نقدا لاذعا متهما إياهم بالغرور و الغطرسة و توهمهم أنهم أفضل الناس و المنارة التي يهتدي الناس بآرائها و يقول تولستوي بهذا الخصوص : (كانوا واثقين من أنفسهم بإدعاء ، يقررون وحدهم ما فيه خير الناس و الشعب ، و هم غرباء عن الشعب ، لا يحجمون فيما بينهم عن ذمه و احتقاره)
و هنا نرى تورغينييف يأنبه عن آرائه و قد فقد صبره فيقول له : (و أخيرا ، أريد أن أعرف بالتحديد إن كنت كاتبا ، أم مصلحا أم واعظا دينيا ) .. بينما كان يقدره في شبابه و يصفه بالشاب الثائر ذو التصرفات الغريبة ..
و من غرائب تولستوي أنه قطع دراسته فجأة وعاد إلى مسقط رأسه حيث كان يملك ما يقارب 700هيكتار يعمل بها ما يقارب 700فلاح كرقيق .. عاد ليرعى شؤون فلاحيه و أسرهم لأنه كان يرى أنهم مسؤولون منه ..
غير أن فلاحيه خيبوا أماله فقد كانوا يسخرون من آرائه الفكرية و توجيهاته و نصائحه .. فقرر أن يفارقهم لبرهة من الزمن فقصد العاصمة لينعم بملذاتها و توهجها كما كان يفعل أقرانه من الطبقة الأرستقراطية الفاحشة الثراء .. لكنه سرعان ما مل من تلك الحياة فقرر التوجه إلى القفقاس لينعم براحة الكتابة هناك انصب كل اهتماماته على التأليف .. و بعد نشره لأعماله لاق نجاحا وشهرة كبيرتين .. ثم انتابه شعور بالقرف من كل ذلك النجاح .. فقرر العودة إلى فلاحيه و أرضه الطيبة .. و ما لبث أن ترك روسيا قاصدا أوروبا الغربية ..
كيف كان يرى نابليون :
و في باريس زار قبر نابليون و قال جملته الشهيرة (إن هذا إلا لص أثيم !لقد قام مجد نابليون على أكداس من الضحايا ، و سواق من الدماء .. و كانت جحافه أرتالا من الوحوش الضارية ، مارست جرائم القتل لحسابه) .
و بينما كان يتجول في لوسيرن بسويسرا .. رأى في إحدى شوارعها متشردا يتسول .. فتأبط ذراعه و عزمه لمرافقته إلى الفندق الفخم الذي كان ينزل فيه .. و ادخله ردهة الفندق الفسيحة ليتناولا الشاي معا .. أثار هذا الموقف إمتعاض و سخط الحاضرين الجالسين هناك  فترك بعضهم المكان احتجاجا على هذا الموقف الإنساني .. و كان بين الجالسين زوجين بريطانيين عبرا عن غضبهما لإدارة الفندق .. استولى الغضب على تولستوي و كتب في الليلة ذاتها قصة أرسلها إلى مجلته التي إشتهر فيها .. أتى في نهاية القصة على موقف الزوجين البريطانيين فيقول :(متمددا على مقعد وثير في شقته الفخمة ، مثرثرا حول الأوضاع في الصين ، مؤيدا ما يرتكب فيها من مذابح ، في سبيل تجارة الأفيون التي يمارسها البريطانيون)
أثارت القصة بعد نشرها إستنكارا و حنقا من طرف الطبقة البرجوازية و الأستقراطية و لم تكن أول قصة له تثير جدلا فقد شهدت معظم ريبورتاجاته حول حصار مدينة سيباستوبول و التي صور فيها هول الحرب و فظائعها إستنكارا أيضا ..
فلسفة تولستوي الوجودية :
إختلف النقاد حول عقيدة تولستوي الدينية و لكن تبقى آرائه تعبيرا عن عقيدته ؛
كتب في مذكراته : (يستحيل التمييز في هذا المجتمع بين المؤمن الحق و الكافر الصميم .. إن الذين يدعون الإيمان و يخالفونه بأفعالهم هم الأقبح من غيرهم .. إنهم أشد قسوة ، و أكثر أنانية )
و كتب أيضا : (ما هو الإنسان ؟ و أنا ... من أنا ؟ ماذا أريد ؟ ماذا أبتغي من هذه الحياة ؟ إنني لا أسعى إلى المال ، و لا أبتغي المجد . . هذا أكيد فما هو الشيء الذي أريده إذن؟
عرف على تولستوي بخلافه القوي مع الكنيسة فقد إعتبرها بعيدة عن نشر الدين الصحيح .. غير قادرة على الإقناع و غرس الإيمان في النفوس..
يقول في هذا الصدد :(إن الكنيسة بأفكارها و تعاليمها الساذجة ، و بطقوسها و بعباراتها المبهمة ، تصنع كفارا عوضا عن أن تصنع مؤمنين .. و الأطفال الذين يستمعون إلى التعاليم الدينية فلا يستطعون فهمها و يرفضونها و يهزأون منها ...
إن مسؤولية الكنيسة جسيمة .. وإن مشعل الإيمان الذي ترفعه خبأته تحت ثيابها ، و قد اشتعلت النار بتلك الثياب )
و بعد النقد الذي تعرضت له الكنيسة من طرف تولستوي فقد حكمت عليه بالطرد و الحرمان من الثوبة..

زواجه؛
لما رمقت عينا تولستوي سونيا نسي كل إهتماماته الفكرية .. سحرته بجمالها و استولت على كيانه فيقول هنا :(أن يتأمل وجهها مليا و طويلا ، و هي بين يديه! أن يضمها إليه ، ويقبلها .. ثم أن يطيل النظر في وجهها ، و أن يعاود تقبيلها).. و أصبحت زوجته ..
كان زواج تولستوي بسونيا بمثابة عبء ثقيل على رجل أولى جل إهتمامته في تحسين مستوى حياة الأخرين .. رفضت سونيا أن يستمر زوجها بإهتمامه بفلاحيه و أبنائهم الذين أسس لهم مدرسة يعلمهم بها .. و لقي منهم آذان صاغية و نفوسا متفتحة على عكس أبائهم الذين كانوا يسخرون منه سرا فيما بينهم ..
رفضت سونيا أيضا أن يبقى زوجها مجرد معلم .. و خيرته بين أبناء فلاحيه و بينها و لم تتوقف دائرة الخناق على تولستوي بل ألحت عليه أن يعود للكتابة مرة أخرى لينال المجد الذي يستحق و تتقاسم معه مجده فهو الذي وصفه تورغينييف بأنه أعظم كاتب روسي من بعده..
لم يكن لتولستوي سبيل للمقاومة بهيامه بها جعله يخدع لمشيئتها ..
رواية الحرب والسلم :
انصب تولستوي على الكتابة بكل حماسة و أخرج للوجود روايته الشهيرة الحرب والسلم .. ولقيت هذه الرواية شهرة تجاوزت حدود روسيا .. و نال تولستوي المجد والشهرة .. وكانت سعادة سونيا لا توصف بالأموال التي جنتها من هذه الرواية و كذلك كان جشعها .. لا يتوقف في زيادة ثرائها و غنها فذات مرة قرأت إعلانا يعرض فيه شخص ممتلكاته كاملة للبيع بثمن مغر .. فأجبرت زوجها على السفر إلى صاحب الإعلان و شراء أملاكه .. فما كان منه إلا أن أذعن لقرارها .. و لأن المسافة كانت طويلة قرر تولستوي أن يقضي ليلته في أحد النزل ..
حينما تمدد تولستوي في الغرفة أحس بالضيق الشديد يكتم على أنفاسه .. كان شعوره بالموت يحوم حوله و يضيق الخناق عليه .. تملكه السخط و الغيظ و بدت له الحياة تافهة لا معنى لها ..
على حسب تعبيره .. و مع بزوغ الفجر عاد تولستوي إلى منزله متحججا لدى سونيا بأنه يحس بالمرض .. و بالفعل ساءت حالته فعلا لم يكن يبالي بشيء و إنتابته رغبة في الموت ..
لجأت سونيا لجل الوسائل لإخراج زوجها من تلك الحالة النفسية السيئة التي تملكته  و التي غرق فيها .. فوافقت على أن يعيد فتح مدرسته التي ضحى بها من أجلها .. فاستعاد عافيته و انتعشت نفسه و شرع في تأليف كتب أبجدية و قصص لتلامذته أبناء فلاحيه..
رواية أنّا كارينينا :
إن المتتبع لحياة تولستوي يرى جليا التطور الملموس في طريقة هندامه خصوصا بعد زواجه من سونيا .. التي أجبرته على خلع قميص الفلاحين الذي كان يرتديه دائما .. محاطا بزنار غليظ من الجلد و شرعت في إلباسه أزياء أوروبية راقية تناسب المجتمع الأستقراطي الذي تنتمي له .. كما لم تتوانى في إصلاح شأن لحيته الطويلة و الكشة المنتشرة فوق صدره بشكل فوضاوي و شعره الأشعث .. كان هدف سونيا حسب تعبيرها أن يبدو زوجها بالمظهر اللائق بالمجتمع الذي ينتميان له ..
حينما لمست سونيا تحسنا في حالة زوجها النفسية .. ألحت عليه بشدة بالعودة للكتابة و عدم تضيع وقته مع تلاميذته .. و بسبب حصارها و ضغطها إستجاب لطلبها وشرع في تأليف روايته الشهيرة أنا كارينينا و كان ذلك في 18آذار سنة 1873م.
و كتبت سونيا إلى أختها تخبرها بأنهم شرعوا في تأليف رواية جديدة :(نحن نكتب أنا كارينينا من الصباح إلى المساء)
كان بطل الرواية ليفين يتحدث بمرارة عن السيدة كيتي التي ألبست خدمها زيا يساوي ثمن أجر عامل أو عاملين لمدة سنة .. و بالفعل فقد كانت سونيا توظف 19خادما في قصرها و تجبرهم على إرتداء زيا فرنسيا غالي الثمن يتكون من السترة الحمراء و السروايل و قفازات و جوارب بيضاء ..
و بعد نشر الرواية .. لقيت نجاحا باهرا يماثل روايته السابقة الحرب و السلم .. و امتدحت الصحافة عبقرية تولستوي و مجدته .. و حصل المؤلف على أموال طائلة جعلت سونيا تطير فرحا بتكديس المزيد من الثروات ..
ها هي الحرب تكاد تندلع بين روسيا و تركيا . . كانت الطبقة الراقية تصفق لهذا الحدث الجليل . . بينما كان موقف تولستوي ضد الحرب فأرسل فصلا جديدا يتطرق لموضوع الحرب لروايته لنشرها في الطبعة الجديدة لكن الناشر رفض طبعها ما اضطر تولستوي أن يطبعها على نفقته الخاصة ..رغم إعتراض سونيا و رجائها له ..
أثار الفصل الجديد ضجة هزت روسيا فثار عليه الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي و الذي كان يؤيد العهد القائم في بلاده :(إلى أين يسير تولستوي ، و أية أفعى لدغته ؟كيف يعزل كاتب عظيم كتولستوي نفسه عن المجتمع الوطني ، و ينزلق إلى العواطف الرخيصة ؟لا شك أنه ضحية انحراف عقلي )
إعتبرت سونيا أن زوجها يعاني من أزمة نفسية و ضميرية ..
إعتبر تولستوي العنف يؤدي إلى الظلم و القهر و لذلك رفضه بشكل مطلق ..
معانات تولستوي النفسي بعد الخمسين :
رغم المجد و المال و الشهرة التي نالها الكاتب و الفيلسوف تولستوي فقد عان إضطرابات نفسية معقدة .. وأسئلة لطالم حيرت باله و حاصرته .. لماذا الحياة؟ ما هي غايتها ؟ ما معنى الوجود في هذه الدنيا؟ و يقول بهذا الصدد في مذكراته (تتراءى هذه الأسئلة أمامي كنقاط حبر تقطر على الورق في المكان نفسه ، و تنتهي إلى تشكيل بقعة سوداء ، مظلمة كهوة الموت)
فكر تولستوي في إنهاء حياته و الإنتحار .. كأي مفكر عظيم .. فالحياة لا تستحق كل هذه المعانات .. لكن خوفه من المجهول و حبه لزوجته و أبناءه عوامل ساهمت في بقاء تولستوي على قيد الحياة لمدة مديدة. .
يقول في هذا الصدد : (يوجد إدراك عن طريق القلب و الإيمان ، يسمو بالإنسان )
و قال أيضا : (الحقيقة و الخير و العدالة و التضامن و الحب كل هذه الأمور موجودة في أعماقنا )
و كمن عاد و قد اكتشف نفسه فقد كتب سنة 1878:(إنه الصيف ، الصيف الرائع الجميل . إنني مجنون بالحياة)
و بما أنه بدء في إكتشاف نفسه فقد أصبح لزاما عليه أن يكافح البؤس و الظلم والفقر يقول بهذا الصدد:(إن قطعة الخبز ليست من حقي إلا إذا علمت بأن لكل إنسان قطعته من الخبز)
و حاول تولستوي إقناع زوجته بالتخلي عن أرضه لصالح الفلاحين الذين يعملون بها و الإحتفاظ ب50هكتارا فقط من 700هكتار و التي كانت في ملكيته..
صعقت سونيا من أفكار زوجها و صرخت  لقد كان دوستويفسكي على حق بأن زوجها فقد عقله و كتبت إلى أختها :(زوجي يريد خرابنا ، و حرمان أطفالنا من التعليم . يريد مني أن أطهي ، و أنظف البيت ، و أغسل الثياب .. أنا الكونتيسة تولستوي ! إنه يرفض كل شيء ، كل ما يحترمه المجتمع و يرعاه منذ قرون)
لقد فكر تولستوي في ترك زوجته المتسلطة لكنها هددته بأنها ستنتحر إذا ما رحل وتركها ..
عاشت سونيا و أبناءها  في خوف مستمر مما قد يقدم عليه أباهم تولستوي و هو حرمانهم من جل ممتلكاته إضافة إلى حقوقه كمؤلف في وصيته ..
كان الجميع يتمنى موته سريعا .. لكي لا يقدم على أي مغامرة تفقد الأسرة حياة الملوك ..
آخر سنتان في حياة تولستوي :

في إحدى الليالي سنة 1909أغمي على تولستوي بسبب الإعياء و التعب خلالها ظنت سونيا أن زوجها يصارع الموت .. فإرتمت عليه و هي تهزه بعنف صارخة في وجهه (المفاتيح ! أين مفاتيح الدرج التي تخبئ فيه وصيتك)؟
استمر تولستوي منكبا على الكتابة إلى آخر الأيام في حياته .. و في20 تشرين الأول سنة 1910قرر الهرب من بيته و زوجته المتعجرفة .. كان في 82من عمره لم يعد قادر على تحمل معاناته و ضعفه فهرب من بيته في الثالثة صباحا .. قصد محطة القطار .. و كان عليه أن ينتظر ساعتين وصول القطار .. لكن قطار الموت داهمه في غرفة آمر محطة استابوفو على الخط المتجه إلى القفقاس .. و بذلك تخلص من حمل ثقيل إسمها الحياة و أسئلة كثيرة لطالما طاردته و أثقلت كاهله ..
قال عنه أندريه جيد عام 1941:(إنه برزخ ضخم .. و هو غير صادق على الأرجح ، متكبر لدرجة أنه رفض الموت ببساطة ككل الناس)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق